محمد هادي معرفة

216

التمهيد في علوم القرآن

فالرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي رابطة الولاء للّه ولرسوله وللمؤمنين : إنّ الأساس الذي يبنى عليه هيكل المجتمع الإسلامي هو : أنّ رابطة العقيدة هي التي تشكل الآصرة التي تربط الأفراد في المجتمع . وليس للرابطة الوطنية أو القومية أو القبلية أو الجنس أو اللون أو اللسان أيّ أثر في المجمع الإسلامي . وارتباط المسلم بالوطن والقوم إنّما هو بمقدار ارتباط هذا الوطن وأهله بالاسلام . فولاء المسلم لعقيدته أولا وآخرا هو الذي يربطه بأخيه وبقومه وذويه وجميع ما يليه « 1 » . لذا نجد القرآن الكريم ندّد بمن آثر الوطن والمسكن والأهل والأقارب على العقيدة ، وامتدح الذين ضحّوا بكلّ ذلك في سبيل عقيدتهم وأذابوها في بوتقة الاسلام . يقول تعالى : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » . * * * نعم ، إنّ التشريعات الإسلامية التي جمعت بين الروح والمادّة - فأشبعت كلّا منهما في الانسان بما يناسبها ووفّرت السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا وأزالت القلق عن النفوس من المستقبل مع مراعاة الفطرة والتلاؤم معها - لدليل على أنّ أحدا من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها . وهي برهان ساطع على أنها منزّلة من خالق الانسان الذي أودع فيه هذه الطاقات والقدرات والاستعدادات ، فأنزل ما ينظّمها جميعا ويوجّهها لعبادة الخالق سبحانه وتعالى .

--> ( 1 ) راجع الفرقان والقرآن لخالد العكّ : ص 218 . ( 2 ) المجادلة : 22 .